الوضع المظلم
  • الجمعة, 19 يوليو 2024
قصة قصيرة

قصة قصيرة " الأقنعة " للدكتور حسين صبري

قصة قصيرة؛ الأقنعة

قال فى أنفة وهو يعتدل فى وقفته :
- عندما يصبح الإنسان حكيماً فى هيئة دجال متلعثم .. وحين يلمع الذكاء في عينين يترسب في أعماقهما الحرمان .. صمت برهة ... تابع قوله فى عصبية واضحة :
- تصير الكلمات المبللة بقطرات التفاؤل .. تحمل فى حروفها أشواكاً حارقة ...
     أكمل فى هدوء :
-حين لا يجد الإنسان فى استطاعته إلا الهرب فلا بد من الصمت ...
عاد بعدها ليستدرك :
- لكنى لا أقدر ..
شعر أن كلماته صارت هواء ... حدق فى الجالسين من حوله... تراجع ... صمم أن يحكى كل شيء ... قرر المضي في تراجعه ... نظر خرقة ممزقة تكاد تستر جسده ... أخرج لسانه من فمه ... حاول أن يلفظه بقسوة ... تصور أن آخرين سيهاجمونه ... ابتلع لسانه ... اقترب منهم ... أشار إليهم ... راح يضحك ... سخر منهم ... عاد يهددهم بلغة غير مفهومة ... استقر بصره فى عينية ... رآهم يحملقون فى هيئته بعنف ... أشاح بوجهه عنهم ... قذف ذراعية فى الهواء ... استجمع تركيزه ... تمدد بصدره إلى الأمام .. قال وهو يلوك حروفه بثقل شديد :
- كنت أدرى أنه سيموت بعد لحظات ...
أكمل فى بطء :
- كنت أملك إسعافه ..
قال كمن يجيب عن حالة :
- لا يلد الكذب إلا غدراً ...
سألوه :
- هل ستنتقم .. ؟
لم يعرهم انتباهه ... صمت لحظة ... أشار إليهم أن يصمتوا ... قاطعوه فى صوت واحد :
- نعرف ما حدث ...
سرت فيما بينهم ضحكات خبيثة ...
أجابهم فى نبرة الواثق :
- لا يدل على ضعف الإنسان مثل إصراره على الانتقام ... أطبق عليه صمته ... راح يلهث كالمحموم ... يعدو كمن يقاتل فى شراسة ... الخطوات تثقل في قدميه ... يجر الطريق جراً ... يرى أن من الضروري للمرء إذا وعد أن يصدق ...
- لم كنت تلهث ؟
أجابهم فى برود :
- لقد طلب ذلك مراراً ...
ألحوا عليه سماع ما حدث ثانية ... تمنع فى البداية .... أحاطوا به من كل جهة ... رآهم في عينيه للحظات كأطفاله الذين ذهبوا دون أن يدرى عنهم شيئا ... ازداد تمنعا ... لم يتركوه ... امتلأت نفسه نشوة غريبة ... رآهم في بساطته وصدقه ...
      قال بعفوية :
- المرء يخلع على العالم كله لون شعوره ...
بدا فى وجوههم أنهم يصدقونه ... تشجع أكثر ... أظهر تمنعه ... لم يملكه للنهاية .. ضعف أمام إصرارهم ... سكت ... أحس بخلاياه كلها تنتفض ... نظر إليهم فى شفقة ... كان يعلم أنهم يشفقون عليه أيضا... يرقون لحاله ... حاول ألا يعبأ بهم ... استعطفوه ثانية ...غاص فى ضعفه ... تبلل وجهه كله بالدموع ... انتظروه ... أمهلوه فى لحظات طويلة كي يستعيد أنفاسه ... لا زال الكل يترقبه ...
   قال بلغة ساخنة كأنها قطرات من دمه :
- كنت أسير في الشارع اللعين ذاته ... اللحظة اللعينة ذاتها ... استقر فى أذني صوت رهيب ... فى لمحة واحدة تبعثر كل ما حولي ... لمحته ...كان ممداً أسفل السيارة ... دهست جسده ... خلطت دمه بالتراب ... مصمص شفتيه .. قال :
- ألم أخبركم أنى كنت أملك إسعافه ...؟
   حاول أن يتمالك نفسه ... أكمل :
- لكن على أية حال ... لا يلد الصبر إلا قوة
تابعوا فى اهتمام ... واتته فكرة الهرب من بينهم فجأة ... وجد المنافذ كلها قد سدت من حوله ... كان عليه أن يستمر فى سرد قصته ... فأحياناً يكون الإصرار على الكلام أبلغ من الصمت على عكس ما يدّعون ... استحثوه أن يكمل ...
قال وهو يعبث بأصابعه فى كفه :
- حاولت أن أمد إليه يدي ... شلت أطرافه... كان عاجزاً عن القيام بحركة ... اختلطت عيناه بالدم ... رأى إصراري على أداء الواجب تجاهه ... أشار إلى بصعوبة بالغة ... أدركت مقصده ... أصر على أن أذهب هناك ... عارضته فى البداية .. كنت أريد إنقاذه ... ألم أخبركم بأني كنت أملك إسعافه ... فالصراحة دائما لا تلد إلا يقيناً ...  أراد أن يستمهلهم لحظات كي يتم روايته ... لم يمهلوه ... راحوا يمطرونه بلهفتهم لسماع بقية قصته ... حاول الصمت إزاء لهفتهم ... لم يستطع ... كان عليه أن يستمر ... فكثيراً ما تكون حروف الكلمة أوجع من حد السيف وأقتل ... أرادوه أن يكمل ... تظاهر بالكسل ... قاطعوه :
- هل لبيت طلبه ...؟
أومأ إليهم برأسه علامة الإيجاب ... صدقوه لفورهم ... استحثهم أن يمنحوه  ثقتهم مرة أخرى ...
- لقد أفضى إلى أنه كان ينوى انتهاك حرمة داره ... تطلعوا إليه فى تطفل غريب ... ورغبه عارمة في سماع المزيد تبرق من عيونهم ... قال لهم باعتزاز :
- أدركت أنه كان يقترف إثماً .. أراد  أن أقصد داره لأبعد تلك المرأة عنه ...
تساقطت دون إرادته بعض من دموعه ... مسحها بكفه ... حاول أن يعتذر لهم عن إتمام قصته ... ما أرادوا منه اعتذارا... وجد أن لا مفر من الاستمرار ... حاول أن يوجز فى كلماته ... فكثيراً ما يرى الآخرون فضائل بعضهم حماقات ورذائل ... قال :
- لا يهم ... ما دمت قررت ألا أنتقم ...
أراد أن يكمل ...
سألوه فى صوت واحد :
- هل قررت الذهاب ساعتها ... ؟
تلكأ في الرد ... سخر منهم للحظة ... لم ينتبهوا ... حملق فيهم ... امتلكه شعور قوى بالغثيان ... أراد أن يقفز بعيداً ... وجد سيقانهم الممتدة فى ذعر تعوق من حركته ... فاته أن يخبرهم بحقيقة ما رأى ... لقد عرف تلك المرأة ... حين أوصدت الباب بكلنا يديها فى وجهه ... خلطت دمه بالتراب ... عاد لسخريته ... حاول أن يكمل ... لم يلحظ فى وجوههم أنهم قد انتبهوا لوجوده أو أحسوا معنى لما قال ... استغرق فى نوبة طويلة من الضحك راح يخبط بيديه على الأرض ... بدأ البعض يتبرم بوجوده ... استمر فى هذيانه ... تضايقوا لصراخه ... انتبهوا لهيئته وقبحه ... امتلكهم شعور بالقرف الشديد ... تضايق لنظراتهم ... سال نفسه :
- أين ذهبت شفقتهم بى ؟
تناوله بعضهم من يديه ...  ساقوه عنوة الى الخارج ...  القوا به بعيداً عن المكان ...  استقر فى جلسته يرقبهم ...  يعود لاتزانه شيئاً فشيئاً ...  يرثي لحالهم ...  تمتلئ نفسه شفقة عليهم ...  يجد أن لا فائدة من المضي فى الكلام ... 
يقرر :
- لا بد من الصمت ...
أحس بتخاذل ... عاد ليستدرك ...
- لكنى لا أقدر ...
حدق فى الجالسين هناك ... تراجع ... صمم أن يحكى كل شيء ... قرر المضي فى تراجعه ...
رمقه بعضهم بغضب ... صاحوا :
- لماذا يثقل علينا هذا المعتوه ... ؟
- لمع الذكاء في عينيه ... همس فى هدوء وثقة :
- لا بد أن استمر ...
اعتدل فى وقفته ... تابع بكلمات مبللة بقطرات من التفاؤل ...
وقال فى أنفة :
فالرجولة تحتم على المرء فى كل حين ألا يغمض عينيه أو يلجم لسانه أمام الوجوه الزائفة .
 

تعليق / الرد من

تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

التصويت / استطلاع

هل تستفيد من موقع الدكنور حسين صبري؟

عرض النتائج
نعم
83%
لا
0%
غالباً
17%