الوضع المظلم
  • الأحد, 16 يونيو 2024
قصة قصيرة

قصة قصيرة " الغريق " للدكتور حسين صبري

قصة قصيرة؛ الغريق

 انسابت جموع القرويين عبر أزقة القرية الضيقة الملتوية وعبر حاراتها المغبرة .. يتسابقون .. تتلاحق خطواتهم .. يعلو وجوههم بؤس وتجهم ليس له معنى واضح .. يخطف أبصارهم سؤال حائر يترقرق فى عيونهم كدمعة جامدة لا تذيبها حرارة الشمس الحارقة .. تنساب أشعتها على وجوههم السمراء كلون الأرض .. تلفح بشرتهم الداكنة بلون اليأس .. تشبعها حيرة ومشقة .. تغص الطرقات بالمارة .. همهمة وجلبة تسرى فيما بينهم لا يعي السامع منها إلا ثورة عاصفة من الكلمات المتشابكة المبعثرة .. حدة فى الحديث ليس لها مبرر .. انسابت الجموع فى صفوف مختلة النظام لتجتمع مع بعضها ثم تفترق ثانية لتلتقي فى أسراب متباينة الأشكال .. تبدو القرية خاوية دورها .. يحتويها السكون والخوف ... الظهيرة تصلي الوجوه بنارها المتقدة .. يسري الخبر .. يطبق على صدور أهل القرية وحشية وكآبة .. تستقر الكلمات في أسماعهم المتعبة .. يخرج الكل .. من كل حدب وصوب ..لم يفت أحدهم المشهد .. يقبض كل نفر أطراف ثوبه بيديه وهو فى عجلة من أمره لا يدرى لها سبباً ..يصور الخيال ما شاء له أن يصور .. هناك ..حيث الجسر العتيق .. عند الطرف الغربي المهجور للقرية .. تلاحمت صفوفهم .. اختلطت .. تمتزج بعضها كي تنفرط .. لتذوب في الحال في هيئة غريبة من تجمعات البشر .. يعدو الصغار أمام الركب .. يتعاركون ..يتشاتمون .. يسابق بعضهم بعضاً .. تلتقط آذانهم بلهو سب الكبار لهم فيتغامزون بخوف .. يمرحون .. وهم يعتقدون وهماً أن كبارهم يعلمون ما يفعلون .. ينتهى الموكب عند الجسر ..يصير الزحام على أشده .. يصطف الجمع على جانبى الجسر .. كل فرد يلقى بثقله يحاول أن يصنع لبصره طاقة يطل منها على شىء التقت عليه العيون .. ينسحب أحدهم من بين الجمع المتراص ليظفر بموقع آخر ليندس مكانه آخر .. يدنو كهل من جانب المجرى العتيق .. كادت قدماه تزلان .. أمسكته يد بقوة .. لم يعر صاحبها التفاتة .. مضى يدقق بنظرة ضيقة .. هناك على الجانب الآخر .. حيث الجثة المنتفخة الملتصقة بحافة الجسر .. تمتد إليها عصا غليظة تحميها من أن يعبث بها تيار المار فلا يجرفها بعيداً .. يهذي العجوز بكلمات مبعثرة .. يستنفر قواه .. ينظر جهة الجثة متسائلاً :
- ألم  ير أحد وجهه ؟
- عله يكون أحدنا .. ؟
أجابه الذى بجواره دون أن يلتفت صوبه :
- لا ليس منا .. لقد رأى البعض وجهه ..
لكن صوتاً آخر قال بلهجة متلهفة :
- لقد رأيت فى مؤخرة رأسه جرحاً غائراً .. فلعله سقط وهو يستحم على حجر ثقيل تحت الماء
أردف أحد الواقفين :
- أو لعله قتل إثر مشاجرة .. أو ..
تردد قليلاً .. لكنه ما لبث أن انطلق بعدها :
- قد يكون لصاً قتله صحبه عند اقتسام الغنيمة ..
ثم لاحت بوجهه ملامح الثقة فيما أفتى وأكمل :
- وأظنـكم تذكـرون الغريق الأخيـر الذى مـر أسفل الجـسر وكـان لصاً محترفاً كما علمنا
أضاف متسائلاً :
- أليس كذلك ..؟
قبل أن يلمح إجابة شافية لتساؤله .. اقتربت عجوز من جمعهم ..وقالت وهى ترمق الرجال بحدة محاولة الانفلات إلى داخل حلقتهم المتصلة كأنها نسج العنكبوت :
- أنا واثقة أن جنّـية النهر قد خنقته بأظافرها النحاسية .. لقد رايتها بعيني رأسي  تنظر فى صفحة الماء بعينين حمراوين كأنهما من نار .. خرجت تبحث عن صيدها .. لا بد أنها اغتالته ..
- قاطعها أحدهم بسخرية :
- ليس هناك جنية كما تدعين ..إنها خرافة ليست إلا في عقلك وأنى أجزم الآن أنك أخذت بالنصيحة واشتريت المرآة أخيراً ..
اغتاظت العجوز من لهجته وتهكمه .. قالت غاضبة وهي تشير بيدها صوب وجهه وقد انحنى ظهرها وتقوس إلى الأمام :
- إذا كان الأمر كما تدعى .. فكيف قطعت الطريق على صاحبكم منذ شهور عند عودته ليلاً إلى داره لتمتطي من خلفه دابته العرجاء وهو الأن طريح الفراش يقهره الجنون .. ؟
خيم صمت على الحضور .. لم يقطعه إلا همهمة أحدهم إلى رفيقه وهو ينظر صوب امرأة أسفرت عن وجهها تتهادى متمايلة :
- ترى من أيقظها .. !؟
- إنها كالخفافيش .. لا تصحو إلا ليلاً ..
سكتت أصواتهم حين اقتربت المرأة .. انسلت برأسها من بينهم .. ترمق الغريب .. تمتمت بينها وبين نفسها في حسرة وهى تدق بيدها فوق صدرها .. تراجعت إلى الوراء تنقل عينيها من جهة لأخرى وهى فى عجلة من أمرها ..
ارتفعت أصوات عديدة .. تزاحمت الرؤوس .. تجمعت دون إرادتهم فى لحظة خاطفة صوب الغريق
راح أحدهم يصرخ فى قلق :
- سيهلك هـذا الأبـله نفـسه .. لمـاذا يقتـرب هـكذا من جثة الغريق .. فليـمنعه أحدكــم ..
أجابه آخر من الجهة المقابلة للجسر :
- يبدو أن البلدة كلها غير قادرة على ردعه وتأديبه .. انزلق بقدميه حتى كاد أن يهوى ..
ارتفع صوت آخر: 
- دعكم منه واتركوه  لحاله ..  فانه مسكين لا يعي من أمره شيئاً ..
انحدر إلى الماء .. يعبث بجثة الغريق .. يديرها إلى اليمين والى اليسار .. يهلل .. يخبط بيديه فى صفحة النهر .. ترك الجثة تأخذ طريقها مع تيار الماء المندفع راحلاً عن القرية .. فى لحظات بطيئة متثاقلة .. راحت جموع القرويين تنساب شيئاً فشيئاً .. مخلفة وراءها الجسر وأسراره .. انطلقوا جميعاً حتى خلا الجسر منهم .. عاد لسكونه .. رجعت الهموم تطرح نفسها على بساط الحديث .. عادت الثورة العاصفة الى كلماتهم ... الشمس تلفح بحرارتها وجوههم ... تذيب دمعة جامدة كانت تترقرق فى طرف عيونهم .. يبدو فى ظلها إرادة بائسة .. الكل عائد وقد راح كل نفر يجر جسده جراً .. تلاحمت صفوفهم .. اختلطت .. لتذوب في الحال إلى هيئة غريبة من تجمعات البشر ..
رجل يعدو قاصداً الجسر مخترقاً الصفوف العائدة لتوها .. يمسك طرف جلبابه بين فكيه ..
يسألهم وفى وجهه حيرة ومشقة :
- هل رأيتم الغريق .. ؟
- أجابته أصوات متباينة متشابكة تلقي بكلماتها دون جهد أو وعي :
لقد جرفه التيار بعيداً ....... ورحل
أردف آخر ساخراً
- لكن الجسر لازال فى مكانه .
 

 

تعليق / الرد من

تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

التصويت / استطلاع

هل تستفيد من موقع الدكنور حسين صبري؟

عرض النتائج
نعم
83%
لا
0%
غالباً
17%