الوضع المظلم
  • الأحد, 16 يونيو 2024
قصة قصيرة

قصة قصيرة " أنا والآخر " للدكتور حسين صبري

قصة قصيرة؛ أنا والآخر

 بالأمس تحاورا كثيراً ..لكن دون فائدة ترجى .. احتد الجدال بينهما حتى تجاوز مرات عدة حد الصراخ والدموع .. أصر كل منهما على رأيه .. وصمم .. وقرر واقتنع .. قليلا ما كانت تبدو المودة بينهما .. لكنها لا تستمر غير لحظات وتعود الأمور إلى سابق عهدها وشراسة طبعها .. ولا تجدي ساعتها أية محاولة يائسة للتواصل كانت تبدو لهما بشير خير وتلاق .. أفكار سوداء تنهش رأسه .. تصبغ لون وجهه بكآبة غريبة .. لا يفلت منها إلا لحظة يرى وجه صاحبه الكئيب يحدق فيه .. يراه .. يتحاشى قوة هذا الوجه ..يرتد إلى وعيه .. بصعوبة ينفض عنه بعض أحزانه .. تقهره فكرة بعينها .. يستسلم لضراوتها .. تنـصهر في  سمعه .. يصغي لوقع حروفها:
 إن الشهرة ليست إلا وسيلة لمآرب أخرى ..  يقسم بغلظة وهو يحدق في عينية إنها مأرب نظيفة لا يعـتليها دونه  .. لكن صاحبه الذى يقف له بالمرصاد يباغته :
- ومن أين تأمن ساعتها مغبة الانزلاق والسهو ؟
- لكنى يقظ
- اليقظة والغفوة من فلتات العقل .... ؟
-لكن إرادتي هنا .. فى نفسي .. لا تخمد لها جذوة ولا يخبو وميضها ما دمت أريد ..
- فبم تحلم .. ؟ أعنى ماذا تريد ؟
ألقى همومه إلى الوراء بعيداً .. سرح بخيال متوثب وفكر طليق .. استطاع بيسر أن يرسم ملامح حلمه الذى بات يلازمه كظله .. انطلق وهو يرى بود كبير فى وجه صاحبه هدوء المستمع وصمت الخبير .. أثار فى نفسه ريبة وتردداً جعله يتلعثم فاقداً ثقته بنفسه :
- لست الآن على يقين مما أريد بدقه ..
- لكنك حتما تريد .. فليس اليقين إلا من نفحات الإرادة .. إذن .. فلتدع ما فى نفسك .. ساعتها ..سوف يأتيك بغتة كل ما تشتهيه ...
إذن فلتكتب وتصرخ .. فإن الشعور يسمو فى أحضان الحروف وينطق
- ألا تعـلم أن هذه مهنتي ورغبتي الأكيدة التي تغوص في أعماقي وأغوص في أعماقها ..
أردف متبرماً :
- لكنى للآن ما كتبت كل ما تتوق إليه نفسي .
تأمله صاحبه وأدرك أنه لا يريد البوح بما فى ضميره .. راح يحثه على النهوض وتبديل المكان وهو ينظر تحذيراً من أمراض القلب والرئة حفظ تفاصيل رسمه وحروفه على علبة سجائره المتحفزة بين أصابعه ..  بدا شارداً مستغرقاً فى متابعة ما تنفثه سيجارته من دخان كثيف... يطبق على سمعه وبصره .. ما إن انطلقا حتى طرح النقاش بساطه .. تغاضى عن زحام الكائنات من حوله تسد كل سبيل أمامه للراحة حتى أنفاسه بات يخشى لحظة لا يستطيع فيها أن يتنفس بحرية وكما يحلو له أن يفعل عند كل ألم يحز فى صدره ..
اختلس نظرة إلى صاحبه .. وعرف منها ضجره  الذي اعتاده منه .. بادره :
- الواقع مُر ثقيل
- إن كان دون ذلك فليس بواقع
- لكن الظمأ ينهشنا لأن نلبسه ثوباً حلواً ..
- إن إبـرة صـلبة حــادة تـوشك أن تــهد صــخرة عنـيدة ... التفت إليه معترضاً :
- لست ممن يرضى بالفتات
غيظ صاحبه وضاق منه بما يرى فأبى إلا أن يصمت .. لكنه لما رأى منه استهانة بمشاعره واجهه :
- أتعرف حقاً ما معنى أن تعاني ؟
لقد أوتيت ما تريد من شهرة حلمت بها ومتعة لم تطمح إليها ..
رأى أنه أكثر عليه واشتد فى تأنيبه وبالغ فى تلميحاته .. انتهره .. سخط على نفسه أن أظهر له الود .. هرولت خطواته بغية الابتعاد عنه .. شق طريقه بين أجساد متلاحمة لا يقدر أن يفلت على ضآلته وضعف وزنه من بينها .. أحس أنه بمأمن من ملاحقته... أرهقته نحافته المفرطة .. انتظم فى مشيئته .. أثقل عليه شعور بالوحدة مخيف .. رآه متابعاً له خطوة بخطوة .. زايلته الوحشة .. أدرك أن الجميع يرصد كل حركاته .. استعصم بغضبه .. لم يدعه يفلت منه خشية أن يطمعه ذلك في المزيد... رأى في وجهه أنه مصمم على ما يريد .. أطمعه في الصمت وهو يجاهد رغبته فى الاستماع .. لكن صاحبه الذى يعي سره لا يفوته أن يفهم كل حيله .. همس فى أذنه :
- أستطيع أن أغفر لك هفوة .. لكن مالا أغفره لك أن تهادن وتراوغ ..
- ماذا تقصد ..؟
- ألـم يجـرك ذلك المتغطرس إلى رضائـه وكنت أراك تمحـو وتكـتب كيفـما يـهوى ؟
تابع في لجهة سافرة كالصراخ :
- إني أجزم الآن أن ما أراده هو هو نفسه ما كتبت
- لكنى ألمحت .. ودسست بين سطوري ما أريد
سخر منه .. فرت من وجهه قوة يذود بها عن نفسه أمام هجومه المستميت .. لم يجد بداً من مهادنته ..
عاتبه بلطف :
- كثير ممن تراهم وتجل قدرهم يضطرون إلى مثل هذا .
- لكنك ملكت الوسيلة وأدركت الغاية
- وما جدوى غايتي ووسائلها تخذلني .. فالغاية أولى بأن تخلق لنفسها الوسيلة لا أن تبررها ..
- هكذا عهدتك .. تلتوي أساليبك حتى لا أجد فيما تجيب شيئاً يرضيك .. إن من تراهم أراهم .. لكن ثق بي هذه المرة .. انك لا تراهم كما ينبغي .. مع أني أراهم على حقيقتهم ..
- كيف وهم أمامنا سواء بسواء ؟
لما رأى صاحبه جرأته الكاذبة .. اجتاحه كموجه لا ترحم غريقا في سؤال يبتلع في جوفه بقايا قوته :
- هل دفعت في يوم لان تضيق بك الدنيا على سعتها أو تقهر فى عيشك أو تجأر بما تكره حقيقته في أعماقك أو تعانى قيداً فى أرضك وبيتك ولسانك .. وحتى في حساب نظراتك .. ؟
قال لصاحبه مستخفاً بثورته .. شاحذاً نفسه للرد :
- الكل يعاني .. وأنا منهم .. ولقد صبرت عليك .. وأثقلت علي ..فلعلك نسيت ؟
ضعف .. تقلص في مكانه .. سمعه يتابع :
- أنت الآن تهادن وتراوغ وتختلق الأساليب الملتوية وتعجز أن تملي إرادتك .. وتذبح ما يجهر به ضميرك .. واذكر أنك تماديت كثيراً في استرضائه حتى عجزت أن تكتب كلمة واحدة بلسانك .. وإني اجزم الآن أن ما أراده .. هو نفسه ما كتبت ..
قاطعه دون تردد وطوح في وجهه بيده :
- لكنك أنت من فعل ..
صاح به ناهراً إياه نافياً ما سمعه :
- بل أنت ولست أنا
تعالى صياحه فجأة .. انتفخت أوداجه .. اتسعت حدقتا عينيه .. ارتفعت يده بشده لتلطم وجه صاحبه .. هوت بقوة .. ارتطمت .. انتبه .. يراه .. يتحسس تجاعيد وجهه وقد أذهلته الصفعة ..يتأبط كومه من الأوراق يعرضها عليه .. تناثرت من بين يديه .. تساقطت حبات غزيرة من عرقه فوق أوراقه .. ارتمى بجسده على مقعده المتآكل ...  نظر دمعة حارة بائسة حبستها عيناه .. أفكـار سـوداء تنـهش رأسـه .. تصبغ لون وجـهه بكآبة غريـبة .. يحـدق فيـه .. يـراه .. يتحاشـى هــذا الوجه .. لكنه يحاصره أينما يمضى.

تعليق / الرد من

تابعنا على وسائل التواصل الإجتماعي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

التصويت / استطلاع

هل تستفيد من موقع الدكنور حسين صبري؟

عرض النتائج
نعم
83%
لا
0%
غالباً
17%